كيف تمكن التزييف العميق من جعل الواقع مزيفًا؟
المقدمة
هل تخيلت يومًا أن يرنّ هاتفك المحمول وتُسمَعُ صوتك يجيب ويتحدث في الهاتف على الرغم من أنك لم ترفع السماعة! ماذا عن اجتماع عمل تظهر فيه صورتك وأنت تتحدث وتدلي برأيك، لكنك في الواقع لم تحضره أصلًا! كيف يمكن لمثل هذا أن يحدث؟ حسنًا في عصرنا الحالي وباستخدام تقنيات مثل التزييف العميق (deepfake) أصبح الأمر ممكنًا.. بل وأكثر من ذلك!
فما هي تقنية التزييف العميق؟ وكيف تعمل؟ وإلى أي مدى يمكنها انتحال شخصيتك وتهديد أمنك الرقمي والمهني؟
تقنية التزييف العميق (deepfake) هي تقنية تعتمد بشكل رئيسي على خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتحديدًا على تقنية الشبكات التوليدية الخصمية (GANs)، وهي تستخدم لإنشاء أو تعديل مقاطع فيديو وصور وصوت بحيث تبدو واقعية للغاية، وغالبًا ما يصعب على الأشخاص العاديين تمييزها عن المحتوى الحقيقي.
فخ التزييف العميق الذي كلّف الملايين!
حسنًا في كل مرة كان الأمر يبدو حقيقيًا ومقنعًا جدًا.. لكنه للأسف كان مزيفًا! لقد باتت تقنية التزييف العميق قادرة على تزييف الصور والأصوات والفيديوهات بطريقة يصعب التفريق بينها وبين الواقع، ولم يقتصر الأمر على مستوى الأفراد و الشركات بل امتد أيضا إلى مستوى الإعلام والدول!
ولعل أشهر هذه الحوادث ما كان منها في المجال المالي، فقد تمكن محتالون من سرقة مبالغ ضخمة عبر مجرد مكالمات هاتفية أو اجتماعات عمل مزيفة، ومن ذلك ما حدث عام 2024 حيث تعرضت شركة Arup البريطانية لعملية احتيال ضخمة كلفتها ملايين الدولارات، بدأ الأمر عندما تلقى أحد الموظفين الماليين في الشركة رسالة عبر البريد الإلكتروني تطلب منه تحويل مبلغ مالي كبير في البداية تجاهل الموظف الأمر، ولكنه سرعان ما تراجع بسبب مكالمة فيديو أجراها مع مديرة في العمل وعدد من زملائه طلب منه فيها إجراء عملية التحويل بشكل عاجل.. وبالفعل قام الموظف بتحويل ما يقارب 25.6 مليون دولار أمريكي، ليتم الاكتشاف لاحقًا أن كل ذلك كان مجرد خطة تزييف محكمة!
ماهي تقنية (GANs) المحرك الأساسي للتزييف العميق؟
الأساس الذي يقوم عليه التزييف العميق هو تقنية الشبكات التوليدية الخصمية (Generative Adversarial Networks – GANs) والتي تتكون من نموذجين أحدهما المولد (Generator) والأخر المميز (Discriminator) حيث يقوم المولد بإنشاء المحتوى المزيف، بينما يعمل المميز على تحليل النتائج ومحاولة التفريق بين المزيف والحقيقي. وعلى الرغم من أن دورهما متعارض، إلا أنهما يعملان معًا بشكل تنافسي مما يؤدي إلى جعل النموذج المزيف أكثر واقعية ويصعب تمييزه عن المحتوى الحقيقي.
ومع ذلك لا يمكن لتقنية التزييف العميق أن تحقق هذه النتائج دون أن يتوفر لديها كمية ضخمة من البيانات التي تشكل الوقود الأساسي لعمل خوارزمياتها.

(رسم يوضح كيفية تعاون المولد والمميز لإنتاج المحتوى المزيف)
المصدر: becominghuman.ai
الأساليب المختلفة للتزييف العميق
في السنوات الأخيرة برز التزييف العميق كواحد من أكثر تقنيات الذكاء الاصطناعي إثارةً للجدل نظرًا لقدرته على صناعة محتوى يصعب التمييز بينه وبين الحقيقة، لكن المثير للقلق حقًا أن تقنية التزييف العميق لم تقتصر على نمط واحد، بل تطورت لتأخذ أشكالًا متعددة منها:
- التزييف العميق للفيديو (Deepfake Video)
في هذا النوع يتم تركيب وجه شخص على جسد شخص آخر في فيديو كامل، بحيث يبدو وكأنه يفعل أشياء لم يفعلها في الواقع، وقد يُستخدم هذا النوع في صناعة محتوى سينمائي أو ترفيهي أو ربما فيما هو أخطر من ذلك كله.. أن يُستغل في التضليل أو تشويه السمعة!
ومن أبرز الأدوات شائعة الاستخدام في هذا المجال: تطبيق (DeepFaceLab) الذي يعد من أقوى الأدوات في هذا المجال وتطبيق (Zao) وهو تطبيق صيني شهير يركز على عمل مقاطع ترفيهية، وغيرهم من الأدوات المصممة لمثل هذا الغرض.
- استنساخ الصوت (Voice Cloning)
هذه المرة سوف تستمع إلى صوتك وكأنك تقول كلمات لم تنطق بها في الواقع! يعتمد هذا النوع من التزييف العميق على تدريب النموذج على عدة تسجيلات صوتية لشخص ما ثم استخدامها فيما بعد لإنشاء كلام جديد بصوت الشخص نفسه.
ومن أشهر الأدوات المستخدمة لعمل هذا النوع من التزييف العميق: منصة (ElevenLabs) وهي تتميز بجودة صوت تجعله يبدو واقعيًا جدًا، مع إمكانية تعديل النبرة والسرعة والإيقاع وكذلك منصة (Uberduck) والتي تمتلك مكتبة أصوات ضخمة ومتنوعة.
- تبديل الوجه (Face Swap)
تعتمد تقنية تبديل الوجه (Face Swap) على أخذ ملامح وجه شخص معين واستبدالها بوجه شخص آخر داخل صورة أو فيديو.
ويعد برنامج (Faceswap) واحدًا من أشهر البرامج المخصصة لمثل هذا الغرض.
- مزامنة حركة الشفاه (Lip-Syncing)
في هذا النوع من تقنيات التزييف العميق يتم تركيب صوت معين على شخصية ما ولجعل الأمر يبدو أكثر واقعية فإنه يتم مطابقة حركة الشفاه مع الصوت المرفق، وذلك عبر عدة مراحل أساسية:
أولًا مرحلة التحليل: ويتم فيها تحليل الصوت واستخراج المقاطع الصوتية (Phonemes) منه، كما يتم تحليل ملامح الوجه عن طريق النقاط الوجهية (Facial Landmarks).
ثانيًا مرحلة التوليد: وهنا يتم ربط الصوت مع شكل الشفاه المناسب باستخدام عدة خوارزميات لنماذج التعلم العميق (deep learning models).
وأخيرًا تأتي مرحلة الدمج: والتي يتم فيها دمج حركة الشفاه مع الفيديو الأصلي لينتج لنا صورة أو مقطع مرئي يصعب فيه التفريق بين الواقع والتزييف!
من أبرز الأدوات التي توفر هذه التقنية أداة (Rask AI) التي تعتمد على ميزة مزامنة الشفاه (Lip-Syncing) لترجمة ودبلجة الفيديوهات مع الحفاظ على واقعية المشهد.
- التزييف الكامل للجسم (Full-Body Reenactment)
أما هذه التقنية فتعتبر امتداد لتقنيات (Face Swap) و (Lip-Syncing) لكنها أشمل وأكثر تطورا فهي تحاكي الجسم بالكامل، مما يجعل نتائجها أكثر إقناعاً وأيضًا أكثر خطورة في حالة إساءة استخدامها.
ويعتبر (DeepMotion) أحد أشهر الأدوات المستخدمة في هذا النوع من التزييف.

(لقطة من فيديو تم فيه استخدام ال Lip-Syncing يُظهر باراك أوباما يتحدث بكلمات مزيفة)
تقنيات الكشف عن التزييف العميق
ان إمكانية إساءة استخدام تقنيات التزييف العميق يشكل مصدر خطر أمني كبير ومتزايد، لكن لحسن الحظ أن التطور الموازي في تقنيات الكشف عنه أتاح لنا الفرصة بشكل كبير للتعرف على هذه المخرجات المزيفة.
تقوم تقنيات الكشف عن التزييف العميق على التحليل وملاحظة تفاصيل يصعب للتزييف العميق تقليدها، على سبيل المثال التغيرات الطفيفة في لون البشرة بسب اختلاف معدل تدفق الدم في الوجه يعد أحد العلامات التي يمكن من خلالها اكتشاف زيف مقطع مرئي ما.
والآن إليك بعض الأدوات التي تساعد في الكشف عن المحتوى المزيّف:
- أداة (OpenAI’s Deepfake Detector) والتي تستطيع الكشف عن المحتوى المزيف بدقة عالية.
- أداة (Microsoft Video Authenticator) وهي تركز على تحليل الصور والفيديوهات، ثم تقدر بعد ذلك نسبة احتمالية كونها مزيفها.
- تقنية (Intel FakeCatcher) وتعتمد بشكل رئيسي على تحليل الإشارات الحيوية في الوجه.
- (FaceForensics++) وهي قاعدة بيانات تضم آلاف الفيديوهات المزيفة والواقعية، تستخدم كأداة بحثية لتدريب خوارزميات الكشف عن التزييف العميق.
- (Attestiv) وهي منصة متخصصة في توثيق الصور والفيديوهات للتأكد من أنه لم يتم التعديل عليها بعد التقاطها.
التزييف العميق من الجانب القانوني
على الرغم من المخاطر الكبيرة التي تحملها تقنية التزييف العميق، إلا أنه مع الأسف ما زالت التشريعات والقوانين الخاصة بها قاصرة ولا تغطي جميع وسائلها وصورها الحالية. وعلى الرغم من بداية ظهور بعض المبادرات والقوانين التي تحاول الحد من المخاطر الناتجة عن إساءة استعمالها، إلا أننا لا نزال في حاجة إلى أطر قانونية ولوائح أكثر شمولية تكون قادرة على مواجهة جميع المخاطر المحتملة من هذه التقنية.
الخاتمة
وهنا نصل إلى ختام رحلتنا التي تكلمنا فيها عن هذه التقنية المتطورة التي قد تنتج لنا منتجات مبهرة، وقد يُساء استخدامها أيضاً لتسبب نتائج كارثية، وكما تعرفنا على أهم التقنيات والأدوات المستخدمة في صنع هذا المحتوى بالإضافة إلى الأدوات التي تساعدنا على اكتشافه، ليبقى القرار الأخير لنا في كيفية استخدامها بحكمة ووعي.
المصادر:
- https://www.sentinelone.com/cybersecurity-101/cybersecurity/deepfakes/
- https://cyble.com/knowledge-hub/what-are-deepfakes/
- https://hyperverge.co/blog/examples-of-deepfakes/
- https://www.complycube.com
- https://gizmodo.com/
EraDev
Ghoster-X



